محمد أبو زهرة

5075

زهرة التفاسير

أي أن هذه أمور متعاقبة من غير تراخ ، والغثاء الأشياء التي ليس لها كيان ولكن تبدو كأنها شئ موجود له كيان ، جاء في مفردات الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن ، الغثاء غثاء السيل والقدر ، وهو ما يطفح ويغرق من النبات اليابس ، وزبد القدر ، ويضرب به المثل فيما يضيع ، ويذهب غير معتدّ به ، ويقال : « غثا الوادي غثوا ، وغثت نفسه تغثى غثيانا غثيت » . ومؤدى هذا القول : أن أولئك الذين كانوا يحسبون أنهم كجلاميد الصخر في عنفهم وعنادهم وإيذائهم قد صاروا شيئا ليس له كيان ، وإن كان لهم كيان ، فهو لا يبقى زمانين ، بل كان رغاء ، يعلو وينتفخ ويزول بنفخة واحدة ، وقال تعالى : فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الفاء للإفصاح ، أي إذا كانوا قد صاروا غثاء فقد بعدوا وهلكوا فبعدا وهلاكا لهم ، والبعد ضد القرب ، والبعد لغير أوبة هلاك وموت ؛ لذا يقال : « بعد » بكسر العين بمعنى مات وهلك ، كما قال تعالى : كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ ( 95 ) [ هود ] ، أي هلكت ، وأظهر سبحانه في موضع الإضمار لبيان أن ذلك كان بسبب ظلمهم لأنفسهم ، وللناس ، وللحقائق ، ولتدليهم في الشرك فعقابهم قصاص من ظلمهم ، وما ربك بظلام للعبيد . القرون من بعدهم قال تعالى : [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 42 إلى 50 ] ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ ( 42 ) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ( 43 ) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 44 ) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 45 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ ( 46 ) فَقالُوا أَ نُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ ( 47 ) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ ( 48 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 49 ) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ ( 50 )